الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

24

نفحات الولاية

فالكلام هنا لا يتناول سعة المعلومات وكسب المعارف والعلوم ، بل قصره على استشعار الهمة والمروءة وسمو النفس في ظل التمعن بالنهج . 5 - « ابن أبي الحديد » هو الآخر أعطى الكلام حقّه فقال : ولم تحصل العدالة الكاملة لأحد من البشر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله إلّالهذا الرجل ، ومن أنصف علم صحة ذلك ، فان شجاعته وجوده وعفته وقناعته وزهده يضرب بها الأمثال . وأمّا الحكمة والبحث في الأمور الإلهية ، فلم يكن من فن أحد من العرب ، وهذا فن كانت اليونان وأوائل الحكماء وأساطين الحكمة ينفر دون به ، وأول من خاض فيه من العرب علي عليه السلام ولهذا تجد المباحث الدقيقة في العدل والتوحيد مبثوثة عنه في فرش كلامه وخطبه ، ولا تجد فيكلام أحد من الصحابة والتابعين كلمة واحدة من ذلك . « 1 » 6 - أورد « المرحوم السيد الرضي » بعض العبارات المقتضبة العميقة المعنى في كتابه الشريف بشأن مضامين نهج البلاغة ، وهى جديرة بالتأمل والاهتمام ، من ذلك ما ذكره ذيل الخطبة « 21 » حيث قال : « إنّ هذا الكلام لو وزن بعد كلام اللَّه سبحانه وبعد كلام رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بكل كلام لمال به راجحاً وبرز عليه سابقاً » . أمّا الخطبة « 21 » فهي : « فإنّ الغاية أمامكم وإنّ وراءكم الساعة تحدوكم ، تخففوا تلحقوا فانّما ينتظر بأولكم آخركم » . كما أورد مثل هذا المعنى ذيل الحكمة « 81 » من كلماته القصار فقال : « وهى الكلمة التي لا تصاب لها قيمة ولا توزن بها حكمة ، ولا تقرن إليها كلمة » . 7 - ونطلق الحديث هنا للكاتب المصري المعروف « عباس محمود العقاد » الذي يعدّ من كبار الأدباء المعاصرين لنرى مدى اعجابه بنهج البلاغة ، فقد أورد بعض العبارات الجزيلة في مواضع من كتاب « عبقرية الإمام علي عليه السلام » والتي تبيّن عمق معرفته بشخصية الإمام ومدى تأثره بكلماته ، فقد قال : « إن نهج البلاغة عين متدفقة بآيات التوحيد والحكمة الإلهية التي توسع معارف الباحثين في العقائد والتوحيد والمعارف الإلهية » « 2 » .

--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16 / 146 . ( 2 ) العبقريات 2 / 138 ( طبعة دارالكتاب اللبناني .